الشيخ محمد رشيد رضا

117

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب . وشذ بعض المفسرين فقالوا ان المراد بهؤلاء المستخلفين الجن وقال بعضهم انهم ليسوا من الانس ولا الجن لأنه أبلغ في الدلالة على القدرة وهو تصور باطل إذ ليس المقام مقام بيان عجائب آثار القدرة ولا الابهام لأجل ذهاب الخيال كل مذهب فيه ، بل مقام الانذار بالسنن الإلهية المؤيدة بمحفوظ التاريخ وبقايا العاديات والآثار ، فهذه الآية الواردة بعد وصفه تعالى بالغنى والرحمة على وجه الكمال الذي لا يشاركه فيه غيره هي كقوله تعالى بعد وصفه الناس بألف ووصف نفسه بالغني الحميد بصيغة الحصر ( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) * وقوله تعالى في آخر سورة القتال ( وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ) * * * ثم إنه تعالى بعد أن أنذرهم عذاب الدنيا وهلاكهم فيها أنذرهم عذاب الآخرة بقوله إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ على سنة الآن في الجمع بينهما ، أي انما توعدون من جزاء الآخرة بعد البعث لآت لا مرد له وما أنتم بمعجزين للّه بهرب ولا منع مما يريد فهو قادر على اعادتكم كما قدر على بدء خلقكم . وهذا برهان جلي كرر في الآن مرارا . وقد ب العلم في هذا العصر أمر البعث من العقول ، بما ره من كون كل ما في العالم ثابت أصله لا يزول وانما هلاك الأشياء وفناؤها عبارة عن تحلل موادها وتفرقها ، وبما أثبته من تركيب المواد المتفرقة وارجاعها إلى تركيبها الأول في غير الاحياء ، بل تصدى بعض علماء الألمان لايجاد البشر بطريقة علمية صناعية بتنمية البذرة التي يولد منها الانسان إلى أن صارت علقة فمضغة وزعم أنه يمكن باتخاذ وسائل أخرى لتغذية المضغة في حرارة كحرارة الرحم أن تتولد فيها الأعضاء حتى تكون انسانا تاما ، وقد بين تجربته في ذلك وما ارتآه من النظريات لاتمام العمل بايجاد معامل لايجاد الناس كمعامل التفريخ لايجاد الدجاج في خطاب أه على طائفة من أشهر الأطباء وعلماء الكون فأعجبوا بنظرياته ، ولم ينكر أحد منهم امكان ذلك وانما ينكر الكثيرون وصول العلم البشرى إلى اخراجه من حيز الامكان إلى حيز الوجود بالفعل ، وأن المخترع الشهير اديصون أكبر علماء الكهرباء يحاول اختراع آلة كهربائية لأجل اتصال الناس بأرواح من يموت واستفادتهم منهم ان كان ذلك مما تعني الأرواح به بعد الموت ، فيكون هذا هو الذي يبين حقيقة ما يدعيه الروحيون